محمد بن وليد الطرطوشي
379
سراج الملوك
أبوابهم مثالا للشياطين ، لأنهم أهل لذلك ، وقرّب منه أهل الحق ، وباعد عنه أهل الباطل والأهواء ، فأحيا اللّه به الحق ، وأمات به الباطل ، فهو يذكر بذلك ، ويترحّم عليه ما دامت الدنيا . وكان عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - يقول : لا تستعملوا اليهود والنصارى ، فإنهم أهل رشا « 1 » في دينهم ، ولا تحل في دين اللّه الرشا . ولما استقدم عمر بن الخطاب أبا موسى الأشعري من البصرة - وكان عاملا عليها - للحساب ، دخل على عمر وهو في المسجد ، فاستأذن لكاتبه ، - وكان نصرانيا - ، فقال له عمر : قاتلك اللّه - وضرب بيده على فخذه - ولّيت ذميّا على المسلمين ؟ ! أما سمعت اللّه تعالى يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [ المائدة : 51 ] ألا اتخذت حنيفا ؟ « 2 » فقال : يا أمير المؤمنين : لي كتابته وله دينه ، فقال : لا أكرمهم إذ أهانهم الله ، ولا أعزهم إذ أذلّهم الله ، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله . وكتب بعض العمال إلى عمر بن الخطاب : إنّ العدد قد كثر ، وأن الجزية قد كثرت ، أفنستعين بالأعاجم ؟ فكتب إليه عمر : إنهم أعداء الله ، وإنهم لنا غشّة « 3 » ، فأنزلوهم حيث أنزلهم الله ، ولا تردوا إليهم شيئا . وقال عمران بن أسد : أتانا كتاب عمر بن عبد العزيز ، إلى محمد بن المنتشر « 4 » ، اما بعد : فإنه بلغني أن في عملك رجلا يقال له : حسان بن برزى ، على غير دين الإسلام ، والله تعالى يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ المائدة : 57 ] وإذا أتاك كتابي هذا ، فادع حسّان إلى الإسلام ، فإن أسلم فهو منا ونحن منه ، وإن أبى فلا تستعن به ، ولا تأخذ من غير أهل الإسلام على شيء من أعمال المسلمين ، فقرأ الكتاب عليه ، فأسلم .
--> ( 1 ) الرشا : الرشوة ما يعطى لإبطال حق أو إحقاق باطل . ( 2 ) الحنيف : المتمسك بالإسلام أو صحيح الميل إليه والحنفية ملة إبراهيم عليه السلام . ( 3 ) الذين يغشّون الناس ، وتجمع على غشّاش وغششة . ( 4 ) محمد بن المنتشر : كان خليفة عبد الحميد بن عبد الرحمن على واسط وكان رجل ثقة له أحاديث قليلة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .